|
عاشت غزة في الفترة الماضية ليالي حالكة في الظلمة والظلم, وعانت من قهر البغي الصهيوني وعجز الحل العربي, وظهرت مأساة غزة على مرأى ومسمع العالم كنوعٍ من الإبادة الجماعية لشعب تهمته التمسك بالبقاء في أرضه المباركة.. والكل كان يشاهد تلك اللقطات الفظيعة عبر الفضائيات العربية التي خَصّصت لها جزءاً من التغطية المصلحية؛ لأن الإثارة وموت المرضى والأطفال عنصر فاعل في تغطية الحدث، أو لمنافسة القنوات الأخرى فيما يطلبه المشاهدون، وقد يكون تلبيةً للضمير العربي المتعاطف مع تلك القضية كجزءٍ من خبزه اليومي الذي عاش على مذاقه لعقود من الزمن, وما هي إلاّ دقائق من التأسّف والتأفّف والشتم للواقع، ويعود الضمير العربي إلى عشقه الكروي، و طربه التقليدي، وأسواق أسهمه المتكسرة؛ ليغرق من جديد في سكرته الماتعة، حتى تأتي أزمة أخرى تعلن الإفاقة القصيرة لذاك الضمير المكبّل المجروح، وبعدها يعود لغفلته الطويلة ..
أعتذر للقارئ عن هذا التنفيس المتشائم عبر هذه العبارات المخنوقة بعبرات الصور التي لا تُنسى لآلام غزة وأهلها الصابرين, والحقيقة أني لا أنكر أن هناك قلوباً حية ويقظة في الأمة، وغيرة وهمًّا عند القادة والعلماء والكثير من المفكرين, ولكن كشفت أزمة غزة عن الخطاب الأكثر حماساً وتفاعلاً مع قضايا الأمة، وهو الخطاب الإسلامي، وحاجته للمراجعة والنقد الذاتي, وقد استمعت إلى عدد من المقولات والخطب حول أزمة غزة، مما جعلني أسطّر بعض الرؤى، وأطرح بعض التساؤلات حول هذا الخطاب الذي يتكرر في كثير من أزماتنا الراهنة, ولعلي أوجز هذه التساؤلات الناقدة في الملاحظات التالية:
أولاً: غلب على الخطاب الإسلامي في أحداث غزة وغيرها من الأزمات, الركوب على موجة التعاطف الشعبي الكبير للقضية الفلسطينية أثناء مأساة غزة, وكانت الفرصة سانحة لبعض روّاد الخطاب الديني للتهييج العاطفي والتعبئة الجماهيرية ضد الأعداء, هكذا-أعداء- بإطلاقها دون تحديد الجهات المتورطة مع العدو الصهيوني ليبقى باب الاحتمالات والتفسيرات مفتوحاً على مصراعيه لأي مشروع عملي ينتج عن هذا الحماس الوقّاد؛ مما قد يؤدي بضرر أكبر على الإسلام والمسلمين, ولو حدث أن خرج بعض الشباب المتفاعلين مع ثورة الخطاب، ونفّذوا ما يرونه حلاً للأزمة في حين أنه دمار لها؛ لكان خطباء الثورة أول من يستنكر عليهم فعلهم, مع أنهم أعطوهم السيوف، ووجّهوهم للمعركة الخاطئة.
فالخطاب التعبوي المشحون بالعواطف اللاهبة يهيج السامع، و يحرق طاقة العمل في قلبه لترتد إحباطاً وعجزاً على ذاته عندما يعجز عن الاستجابة للنداءات الصارخة في المنابر المسجدية والإعلامية. أو قد ينطلق شرر هذه الطاقة بقوة الفعل إلى نتائج ترتد عكساً على مصلحة القضية والفعل الواعي المطلوب، خصوصاً أن هناك تركيزاً على المأساة دون إيجاد الحل، والمطلوب فعله والمقنع للناس.. وأعتقد أن من المفترض أن تُحوّل هذه الطاقة إلى مكامن لإنتاج المشاريع النافعة وليس لفقاعات الإثارة والمظاهرات المقموعة, وتُعالج الأزمة بالخيارات المتنوعة والمتاحة والمستقبلية, كالشراكة الإستراتيجية مع المؤسسات الدولية والحقوقية والإغاثية, وفتح الحدود لإعادة بناء تلك المنطقة المنكوبة وفق المواثيق الأممية؛ وهذا حل من مئات الحلول التي يجب أن نفكر بها. ومن المفارقات المحزنة عندما نقارن موقف اليهود من كارثة المحرقة النازية، وكيف وظفوا وهماً اقنعوا به العالم, واستفادوا من تلك الخرافة مصالح لا حدّ لها, وفي المقابل كيف فشلنا أن نعرّف العالم بكوارثنا الحقيقية ومحارق الإبادة اليومية في فلسطين و العراق و أفغانستان وغيرها؟!!
ثانياً: إن الأزمة في غزة ليست فقط في نقص الغذاء والدواء أو في انقطاع الوقود والكهرباء, وإن كانت هي المظهر البارز الذي أيقظ العالم لمحنتهم؛ بل أعتقد أن غزة كانت في أزمات مركبة ومعقدة تتجاوز الشأن الاقتصادي إلى شؤون أخرى، مثل الجذور الداخلية لأزمتهم السياسية من خلال موقف حماس باتخاذ قرار الانعزال مع مليون ونصف هم تبعة هذا القرار, وقد يكون للأزمة أوجه أخرى لها جذورها الفكرية في التنافر الأيديولوجي بين فتح المنغلقة وحماس المتأجّجة, أمام هذا العجين المتنوع والمعقد من الأسباب الفاعلة للأزمة تخطئ كل الأطراف عندما تتّهم فئة معينة بالوقوف وراء الأحداث, أو تُحمِّل جهةً المسؤولية الكاملة لتردي الأحوال, أو تردّ المشكلة إلى سبب واحد أنه وراء معاناة ذاك المليون والنصف الذي يعاني منذ أكثر من عام ويلات الحصار والعزل عن شعوب العالم ومجالسه الأممية والحقوقية.
وحلول الأزمة وأدوية تلك الأدواء المزمنة ليست مستحيلة أو مجهولة، بل العلاج متوفر على قدر انفتاح الفكر ورؤية المستقبل، علمه مَن علمه، وجهله مَن جهله, والمعروف في علوم الأرض والطبيعة أن قوانين الفيزياء و الكيمياء محدودة، وعناصر المواد في الأرض كذلك محدودة قد لا تتجاوز المائة عنصر؛ ولكن ما نتج عن تلك القوانين والعناصر من ابتكارات ومخترعات يفوق الملايين, لذلك أجدها فرصة لمراجعة حماس لمواقفها وخطابها السياسي وتقويم الأداء الماضي، والبحث عن خيارات أخرى وآفاق أوسع لخطاب تنموي هادئ وصامت، يستفيد من تجارب الثورات والإصلاحات, ولها في العدالة والتنمية التركية مندوحة في النجاح .
ثالثاً: إن رفع الشعارات والمناداة بالمبادئ ليس هو المحك الحقيقي لصحتها وصدق قائليها، بل بمقدار قبول الواقع لها، وتحوّلها إلى نظم وبرامج في الحياة؛ فالعدل والشورى والحرية لا أحد يختلف حول قيمتها المقدسة لدى الشعوب, ولكنها تفقد هذه القيمة إذا لم يُعرف معناها الصحيح ودلالاتها الفكرية وضوابطها الشرعية، وتكون ربما كارثة إذا لم تنزل في الواقع بالشكل الصحيح، والتوقيت المناسب، والأداء المقبول المتدرج في فهوم الناس, ولعل أزمة حماس جمعت في ذهني عدداً من الشعارات غير المفهومة والمتناقضة مع حيثيات الواقع العام للناس؛ فالخطاب الجهادي و خيار المقاومة ينطلق من أرض محاصرة بحراً وجواً ومن جميع الحدود ويدعو لمواجهة حتمية، طرفها الحقيقي هم ذاك الشعب الفقير الأعزل الباحث عمّا يسدّ رمقه ويحمي بيته وأولاده؟!
فالجهاد لا يعني ترك البذل للأسباب، أو ترك العمل بالسنن والنواميس؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- صبر وحوصر، وهاجر وصالح وجاهد، ولبس درعين في بعض غزواته، وهو رسول الله والمؤيد بنصر ربه عز وجل!!
رابعاً: يطيب للخطاب الإسلامي رؤية التعبئة الجماهيرية وهم يصرخون، ويندّدون، أو يؤيّدون, وقد لا يهم ما يحدث بعد ذلك لتلك الجموع من قمع أو فتنة, وقد لا يبالي المهيّجون بردة الفعل المتوقعة للحركة التي أخطأت طريقها في التعبير عن فكر صاحبها، فيتحول صاحبها إلى عدو ناقم إذا عرف وفكّر وأدرك أنه اُستُغِلّ عاطفياً وهُيّج معنوياً، واُستُغفل من حيث لا يشعر, وليست هذه النتيجة لازمة لكل الأفراد، ولكنها متصورة بشكل كبير للأفراد الذين ينطلقون في الحركة من غير فكر ناضج ورؤية واضحة لحقيقة الدور المطلوب؛ فالمسارعة بالعمل من غير فكر تأصيلي صحيح قد يصيب المشروع بالفشل إن لم يكن الارتداد والعودة إلى القاع من جديد.
وفي الختام لا أريد الإطالة، ولا أقصد الذم، ولا أزعم الصواب، ولكن أجزم أن هناك ضباباً كثيفاً يحول بين الرؤية الواضحة لأزماتنا الراهنة.
د. مسفر القحطاني |
|